اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

337

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

لجميع المشتغلين بالدراسات العربية ، ولم يأت بجديد إعادة طبع المتن بالقاهرة في عام 1323 ه - 1324 ه 1906 12 ، رغما من أن الناشر كانت لديه فكرة عالية عن مجهوده بالنسبة لطبعة فستنفلد 13 الذي لم يفعل شيئا في الواقع سوى أن أعادها بحذافيرها . ويمكن بالطبع أن تقابلنا أحيانا في هذه الطبعة الثانية قراءات أفضل ، ولكن هذا يحدث من قبيل الصدفة البحتة 14 ، وأطرف من ذلك أن طبعة القاهرة هذه قد أضيف إليها جزآن بعنوان « منجم العمران في المستدرك على معجم البلدان » 15 يستدرك فيهما الناشر ، وهو أمين الخانجي المعروف ، على مادة معجم البلدان . وقد تمس هذه الاستدراكات أحيانا نقاطا عالجها ياقوت فيورد الناشر المعلومات المتأخرة في ذلك ، ولكنه في أغلب الأحيان يقصر كلامه على بلاد ومدن العالم الحديث بأوروبا وأمريكا واستراليا . وهذه الإضافة وإن لم تمثل قيمة ما من وجهة النظر العلمية إلا أنها برهان طريف على استمرار الأنماط القديمة للمعاجم الجغرافية التقليدية بين الأوساط العربية المثقفة إلى بداية القرن العشرين « * » . وقد كان مجهود فستنفلد بمثابة حجر الزاوية في دراسة شخصية ياقوت نفسه ودراسة المادة التي تحتويها دفتا مصنفه . ولعله لم يتمتع جغرافى عربى بعدد من الدراسات مثل الذي أفرد لياقوت ، بل إن الناشر نفسه قد حاول في مقالات منفردة إلقاء ضوء على سيرة حياته وعلى الأخص رحلاته . وبمرور الزمن ظهرت دراسات عن مصادره - وبالذات عن المادة التاريخية الجغرافية التي اشتمل عليها كتابه من ناحية عامة 16 ، وكذلك فيما يختص بالمؤلفين الذين نقل عنهم 17 . ونتيجة لظهور طبعة كاملة للمعجم فقد أضحى في حيز الإمكان تكوين فكرة صحيحة عن عدد كبير من المؤلفات التي رجع إليها والتي لم تصبح في متناول الأيدي إلا بعد ذلك بوقت طويل ؛ ويصدق هذا بالذات على مصنفات ابن الكلبي وابن فضلان وأبى دلف وابن بطلان وعدد آخر من المؤلفين ، فلا غرو أن نلتقى باسم ياقوت في كتابنا هذا أكثر من اسم أي جغرافى آخر كمصدر عن المؤلفين السابقين . هذا وقد أخضعت المادة - - الجغرافية التي جمعها ياقوت لدراسات مختلفة بحسب كل قطر أو عصر ؛ فمعروفة لنا محاولة باربييه دى مينار في جمع وتنسيق مادته عن إيران ؛ كما توجد دراسة عن انعكاس صدى الحروب الصليبية في المعجم ؛ بل ويوجد فهرس منظم خاص بالموضوعات الأدبية والشعبية ( الفولكورية Folkore ) والاثنوغرافية التي يعالجها ياقوت مع سرد أسماء المراجع التي يستقى منها . وفي عام 1890 حلل مدنيكوف Mednikov المعجم تحليلا عاما في محاضرة له لم تطبع بالتالي 18 ، كما بين طريقة تناول ياقوت لمصادره وكيف كان منهجه في نقد النصوص ؛ كذلك لا تزال تحتفظ ببعض أهميتها إلى أيامنا هذه آراء روزن حول هذا الموضوع . من كل هذا يتضح لنا أن المجال قد هيئ لدراسة وافية عن ياقوت ، وأنه يستحق فعلا مثل هذه الدراسة . وبالنسبة لموضوعنا فإن سيرة حياة ياقوت ليست بأقل أهمية من مصنفه ، وهي برهان آخر على سعة الأفق والعبقرية التي تميزت بها الشخصيات العلمية التي شادت بمصنفاتها الصرح الهائل للحضارة العربية .

--> ( * ) ظهرت أخيرا ببيروت طبعة ثالثة للمعجم ؛ وهي أيضا بدورها لم تأت بجديد . ( المترجم )